اسماعيل بن محمد القونوي

474

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

التضاد منزلة التناسب بواسطة التهكم شبه الانذار بالتبشير فذكر اسم المشبه به وهو التبشير وأريد المشبه أي الانذار ثم اشتق من التبشير بمعنى الإنذار الفعل فقيل : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] والقرينة المفعول به والعلاقة المشابهة بالتأويل المذكور وليس العلاقة ووجه الشبه بين التبشير والإنذار هو التضاد أي كون كل منهما ضدا للآخر فإنا إذا قلنا للإنذار هو التبشير وأردنا التصريح بوجه الشبه لم يتأت لنا أن نقول في التضاد أو في مناسبة الضدية بل إنما يصح أن نقول هو أي الإنذار بشارة في إلقاء السرور ومعلوم أن الحاصل في المشبه هو ضد السرور أي الألم والحزن لكن نزلناه منزلة السرور بواسطة التهكم في النظم الكريم أو بواسطة التمليح في غيره لاشتراكهما في الضدية . قوله : ( أو على طريقة قوله تحية بينهم ضرب وجيع ) أي قول الشاعر وهو عمرو بن معدي كرب من قصيدة طويلة أولها : وخيل قد دلفت لها بخيل « 1 » أراد بالخيل جماعة الفرسان ودلفت بمعنى دنوت وقربت للحرب تحية بينهم التحية ما يحيى به أحد المتلاقيين الآخر ويعظمه كالسلام ونحوه وجعل الضرب تحية ليس إلا للسخرية قيل ومنها أن ينزل ما يقع موقع شيء بدلا عنه منزلته بلا تشبيه ولا استعارة كما في الاستثناء المنقطع وما يضاهيه سواء كان بطريق الحمل كما في قوله تحية بينهم أو بدونه كما في قوله فاعتبوا بالصيلم وليس هذا من المجاز لذكر طرفيه مرادا بهما حقيقتهما ولا تشبيها لأن التشبيه يعكس معناه ويفسده ومنه يعلم أنه لا يصح فيه الاستعارة أيضا لابتنائها على التشبيه انتهى قوله ولا تشبيها الخ ضعيفا لأن التشبيه ممكن بينهما كما يمكن بين التبشير والانذار والجبان والأسد بل الاستعارة أيضا ممكن كما اختاره البعض في زيد أسد وقد سلف البيان في تفسير قوله تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ والقول بأن الشاعر جعل إفراد التحية نوعين متعارفا وهو الكلام الجاري فيما بين الناس لقصد الإكرام وغير متعارف وهو الضرب الوجيع يؤيد جانب الاستعارة إذ شأن الاستعارة كذلك كما حقق في محله فجعل قوله : أو على طريقة قوله تحية بينهم ضرب وجيع والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول أن التصرف في الأول بين البشارة والانذار حيث جعل انذارهم بشارة وفي الثاني بين العذاب والشيء السار حيث جعل سارهم عذابا أليما كما جعل تحيتهم ضربا وجيعا والحاصل أن التصرف على الأول في المتعلق فالبشارة على الأول مجاز مستعار استعارة تصريحية تبعية والعذاب حقيقة والعذاب استعارة مكنية حيث شبه العذاب بالشيء السار وأثبت له ما هو ملائم المشبه به وهو البشارة لا يظن من قولنا هذا أن قوله : « تحية بينهم ضرب وجيع » من باب الاستعارة بالكناية فإنه ليس منه بل هو من قبيل التشبيه البليغ مثل زيد أسد فالوجه في تشبيه طريقة بطريقة ما ذكر من جعل سارهم عذابا أليما كما جعل تحيتهم ضربا وجيعا .

--> ( 1 ) والباء في بخيل للتعدية .